أبو نصر الفارابي

80

آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها

يكون المتولي بحفظه جسم ما آخر يرأس المحفوظ ، وهو الجسم السمائي أو جسم ما غيره ، وإما أن يكون باجتماع هذه كلها « 1 » . وأيضا فإن هذه الموجودات لما كانت متضادة ، كانت مادة كل ضدين منها مشتركة . فالمادة التي لهذا الجسم هي أيضا بعينها مادة لذلك ، والتي لذلك هي أيضا بعينها لهذا ؛ فعند كل واحد منهما شيء هو لغيره ، وعند غيره شيء هو له . فيكون كأن لكل واحد عند كل واحد من هذه الجهة حقا ما ينبغي أن يصير إلى كل واحد من كل واحد . والمادة التي تكون للشيء عند غيره إما مادة سبيلها أن تكتسي صورة ذلك بعينها ، مثل الجسم الذي يغتذي بجسم آخر ، وإما مادة سبيلها أن تكتسي صورة نوعه لا صورته بعينها ، مثل ناس يخلفون ناسا مضوا . والعدل في ذلك أن يجد ما عند هذا من مادة ذلك ، فيعطى ذلك ، وما عند ذلك من مادة هذا ، فيعطى ذلك هذا « 2 » . والذي به يستوفي الشيء مادته من ضده وينتزع به تلك منه ، إما أن يكون قوة فيه مقترنة بصورته في جسم واحد ، فيكون ذلك الجسم آلة له في هذا غير مفارقة ؛ وإما أن يكون في جسم آخر ، فيكون ذلك آلة له مفارقة تخدمه في أن ينتزع مادة من ضده فقط ، وتكون قوة أخرى في ذلك الجسم أو في آخر تكسوه ، إما صورته بعينها وإما صورة نوعه ، وإما أن تكون قوة واحدة تفعل الأمرين جميعا ؛ وإما أن تكون التي تستوفي له حقه جسما آخر يرأسه ، إما سمائية أو غيرها ، وإما أن

--> ( 1 ) حفظ الجسم يكون بقوة داخلية أو خارجية . ( 2 ) المادة تتخذ صورة الجسم أو صورة نوعه .